Showing posts with label قصاصات صغيرة. Show all posts
Showing posts with label قصاصات صغيرة. Show all posts

Friday, June 22, 2012

6 يوميات مغتربة حديثة


ثقافات مختلفة





مرت بضعة أيام تشغلنا فيها مهمة استكمال فرش المنزل .. الى ان فوجئت انا و زوجي برسالة تصله عبر البريد الالكتروني من مشرفه فى رسالة الدكتواره يطلب من كلانا الحضور لمنزله ظهر اليوم التالى تلبيا لدعوته لنا على الغذاء مذيلا رسالته بأنه سيصنع لنا طعام " نباتي " خصيصا حتى نتمكن من المجيء .

تذكرت حينها رسالة مشابهه استقبلها زوجى عبر بريده الالكترونى من زميل سويدي له بالجامعه يعتذر فيها بشده عن أنه بذل قصارى جهده كى يمنع الحضور من جلب " الخمر " معهم الى حفل مناقشته لرسالة الدكتوراه حتى يتمكن زوجي من حضورها " حيث اننا لا نتواجد فى مكان تشرب فيه الخمور " و لكن الحضور أصرو على وجود الخمر و كان ذلك خارجا عن ارادته .. و كانت رسالة رقيقه للغايه كرر فيها أسفه مرارا و اختتمها بأنه يحترم ديننا و ان ما حدث لم يكن بقصد الاساءه على اية حال .

ذهبنا فى الموعد المحدد للزيارة .. استقبلنا الدكتور المشرف و صديقته و أوصلانا الى الـ " بلكونة " لنجتمع بباقى أفراد الفريق الجامعى من طلبة الدكتوراه و زوجاتهم و أبنائهم .. كان المرح هو السمت الغالب على اللقاء .. الاطفال اعمارهم تنحصر ما بين الـسنتين الى الـ 4 سنوات .. الجميع يتحدث الانجليزية " باعتبارها اللغة المشتركة " لا يتحدث أحد بلغه خاصه به " كأن يتحدثو السويدية مثلا فيما بينهم " الا فيما ندر مراعاه لشعور من لا يفهم تلك اللغة  .. تجاذبنا أطراف احاديث مختلفه حول الجو و بلادنا و رحالات البعض فى بلدان عدة .. ثم حان موعد الغذاء .. قامت " هيلينا " صديقه الدكتور المشرف بارشادنا الى طاولة صغيرة فى أحد أركان المنزل موضحه انه هناك توجد الأطباق و الملاعق و مستلزمات الطعام و دعتنا لأن يقوم من يريد الأكل ليغترف لنفسه ثم يعاود مرة أخرى الى الـ  " البلكونة " لاستكمال الحديث .. كانت أعدت وعاء واحد فقط عميق من الطعام النباتى الذى أخذت تشرح مكوناته لنا حتى يطمئن قلبي و زوجى و نستطيع تناول الغذاء ..

لم أندهش كثيرا أن العزومة عبارة عن صنف واحد فقط من الطعام حيث انى كنت قد مررت بتجربه مماثلة سابقه حينما ساعدنا أحد اصدقائنا السويديين المسلمين فى نقل أثاث المنزل بعربته الخاصه .. و دعوناه الى تناول الغذاء معنا هو و زوجته و طلبنا منه احضار أدوات الطعام الخاصه بهما حيث انه لم يكن لدينا سوى عدد 2 من كل شيء فى المنزل .. فقبل على الفور و كانت الوجبة التى أعددتها يومها هى " الكشري " .. و على الرغم من ذلك فقد كان لقاء جميلا استمر لعدة ساعات .

جلبنا اطباق طعامنا الى الـ " البلكونة " و جلسنا جميعا الى طاولة خشبية متوسطة نتناول الطعام و نستكمل الحديث و اختار كل من الحضور مشروب غازي يشربه بجانب الطعام .. و فوجئت بأنهم وضعو للأطفال أكواب ممتلئة بالحليب ليشربوها بدلا من المشروبات الغازية أو العصائر .. و حينما تساءلنا عن سبب هذا .. أوضحو لنا ان هذه سياسة حمائية يتبعها الاباء و الأمهات و المدارس على حد سواء هنا و هى عدم السماح للأطفال بتناول المشروبات الغازية او الحلوى من الـ " بنبونى و الشوكولاته و اللبان و الشيبسي .. الخ " حتى سن الرابعه و ذلك حفاظا على صحتهم و توعيه لهم بمخاطرها الصحيه .

انتهينا من تناول الطعام لينطلق الاطفال مرة أخرى الى حديقه المنزل للعب .. و قُدم الى " الكبار " " الايس كريم " و القهوة .. و شغلنى التفكير قليلا عما يدور حولى من الحديث .. لماذا نكلف أنفسنا فوق طاقتها فى عزائمنا ؟؟ لماذا تصل عزائمنا الى حد البذخ ؟؟ لماذا يجب ان تتعدد أصناف اللحوم على المائدة ناهيك عن الخضرات و الفواكة و النشويات و الحلوى و الاصناف المصنفه التى ترهق من يقوم بطهيها و ترهق الجهاز الهضمى على حد سواء و تزيد عن حاجه الحضور ؟ بدى لى الأمر لوهلة انه ليس الكرم و ليس واجب الضيافه ولا بهجه التجمع .. و انما كما لو كنا فى بلادنا نجتمع لنأكل بينما هنا هم يأكلو ليجتمعو !!

شتان بين الهدفين .. فعلى الرغم من كون العزومة هى عبارة عن صنف واحد الا ان احدا لم يشعر انها اساءة و لم يتكدر صفو الجلسه و لم يبحث احدنا عن اللحم .. بل على العكس كان تجمعا غايه فى البساطة و الرقى و المرح !

قاربت الشمس على المغيب فاستأذن زوجى و انصرفنا محيين الجميع و خاصه " ايريك المشرف " على دعوته و " هيلينا صديقته " على استقبالنا فى منزلها ..

تركنا الجمع و قررنا العودة الى المنزل بعد التمشية قليلا على ضفة النهر ..

يتبع ..

Wednesday, July 20, 2011

يوميات مغتبرة حديثة 5



فراق الأحبة




ما أصعبها على النفس لحظات الفراق .. تعيش حياة كاملة بين أحبائك من أهل و أصدقاء و جيران و زملاء و معارف .. تشاركهم حياتهم و يشاركونك أفكارك و أحلامك و طموحاتك .. تسعد بسعادتهم .. و تهتم لحزنهم .. تناقشهم أفكارك و يضيفون اليها من عبيرهم .. تقفز فرحا فى أفراحهم .. و تجدهم بجانبك فى شدائدك .. و تتسارع خطواتهم اليك اذ احتجت معونتهم يوما .. قد تتشاجر معهم أحيانا .. تغضب منهم .. بل و تتمرد عليهم .. و تفصل بينكم بعض لحظات الفرقة .. و قد تتخيل أنك تستطيع العيش بدونهم .. و أن الأمر فى غاية السهولة .. و أنه يمكنك الاعتماد على نفسك فى تسيير أمور حياتك .. و لكنكم تعودون .. تعودون الى رحاب بعضكم البعض .. فلا يمكن لأحد منكم الاستغناء عن الاخر مهما كانت الظروف ..

و أتذكر لحظة فراقى حضن أمى لحظة توديعها و انا فى طريقي الى المطار ... أبعد عدة أمتار .. لأعود مسرعة مرة أخرى الى ذراعيها .. ثم أتماسك لآخذ خطوات معدودة تفصل بينى و بينها .. لأكون بين يديها ثانية .. حتى يأتيني صوتها الحانى : " يلا بقى .. اجمدي كده .. علشان تلحقو الطيارة " .. فأتركها مجبرة و فى مقلتي تحجرت دموعي .. و أتمنى لو أعود جنينا في أحشائها فلا أفارقها أبدا .. وتبدو لي الأحرف في غاية الوهن في تلك اللحظة لأختار منها ما أقول ..ءأقول لها أحبك يا أمي .. أم أسألها رضاها عني .. أم اعتذر لها عما بدر مني فى حقها من قبل .. أم أخبرها بأني اشتقت اليها من قبل أن أفارقها .. أم أشكرها على كل ما بذلت من سنوات عمرها من أجل اسعادي .. أم أشكرها على ما ستبذله فى السنوات القادمة .. أم أم أم ... !! .. أهمس ببعض الكلمات اليها فأستشعر يدها الحانية تمسح على ظهري لأتركها و أرحل ..

في الغربة حينما يأخذك حنين الى الوطن تتلمس بعض السلوان فى الصور التى حملتها معك .. و تجلس للتذكر .. هذه ليوم تخرجنا .. و هذه رحلة المدرسة أيام الثانوي .. و هذه من أيام الطفولة .. و تلك لصديقات العمر .. و أخرى لزميلات الدراسة .. و غيرها يوم تجمع العائلة .. و ها هي أختى تضحك .. و أبي يبتسم .. و أمي تنادي .. و شباب يهتفون في الميدان .. و أعلام ترفرف في السماء .. و زغاريد تعلو في قاعة الزفاف .. و تتوالى الذكريات .. و فجأة تجد عقلك يسأل .. يا ترى ما هو الوطن ؟؟.. هل هو الأحاسيس التى نعيشها مع أقراننا ؟ أم انه الذكريات المحفورة بداخلنا ؟ أم انه الأفراد ممن جمعنا بهم طريق الحياة ؟ أو لعله الأماكن التى عشنا فيها و عاشت فينا ؟ فتجتهد لتذكر .. أدرسوه لنا أيام الجامعة ؟ لقد درسونا معنى " الدولة " .. و نسو أو لعلهم تناسو أن يدرسو لنا ما هو الوطن .. ربنا لعجزهم عن الالمام بكنه .. أو ربنا لأننا نعيش أكذوبة تعليمية يجتهدون فيها لاستعراض علمهم فى التفاصيل الصغيرة .. و لا تسمى امكاناتهم العلمية لتدريسنا المعانى الأكبر على الرغم من كونها الأهم و الأعظم و الأشمل .. !!

و تدرك حينها أن اللحظات التى تعيشها وسط أحبائك أثمن بكثير من أن تعكر صفوها زلات بسيطة .. أو أن تلوثها لحظات غضب .. و تدرك بأن سويعات الحياة أقصر من أن نملأها بالاختلاف .. و تدرك أننا دائما في أمس الحاجة للترابط و التعاون و التكاتف و التآلف من أجل البناء و العمران .. من أجل تحقيق الحياة الكريمة التى نحلم بها دوما لنا و لأبنائنا من بعدنا ..

" ياه تخيلي الناس الى زي أبو أحمد و الى مهاجرين هنا دول عايشين ازاى ؟؟ احنا ان كنا بنفارق الى بنحبهم مرة واحدة .. هما بيفارقو ميت مرة .. كل ما حد يجي هنا و يقعد كام سنة دراسة ولا شغل و يتعرفو عليه و يحبوه يمشي و يسيبهم علشان يبنو علاقات جديدة !! " .. هكذا انتشلنى صوته الحانى من بحر أفكاري لأغرق مرة ثانية فى تأمل عميق للمشهد من حولي .


يتبع ..


Thursday, July 14, 2011

يوميات مغتربة حديثة 4



أبو أحمد





أسرعنا الى سائق الاتوبيس المتوقف لنفهم منه ماذا يريد منا و ما الذي دعاه للتوقف و انذارنا " بكلاكسين " متتاليين .. حينما وصلنا الى باب الدخول الخاص بالاتوبيس وجدنا السائق يقول لنا فى فرحة عارمة :


" سلامو عليكو .. ايه الاخبار ؟ " ...

لمفاجأتي كان يتحدث العربية باللهجة المصرية .. ثم نظر الىّ قائلا : " حمد الله ع السلامة " .. ثم الى زوجي " ايه انتو رايحين على فين كده ما تيجو أوصلكو "

زوجي : " لا ألف شكر ربنا يكرمك .

- لا و الله تعالو أوصلكو .. انتو رايحين فين .. تعالو حوصلكو أولديهم .

- ربنا يكرمك احنا ساكنين هنا فى ماريهم

- ايه ده ؟؟ بس انت كنت فى اولديهم .. انت نقلت ولا ايه ؟

- اه نقلنا هنا

- انتو نمرة كام ؟

- احنا نمرة 41

- طيب انا جنبكو فى 35 .. ابقو تعالو بقى

- ان شاء الله

- لا لازم تيجو أكيد

- باذن الله

- طيب مش عايزين أى حاجه .. مش عايزين تروحوا فى اي حته ؟ أوصلكو أولديهم ؟؟

- لا شكرا الله يباركلك

- طيب يلا مع السلامة

- و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته يا أبو أحمد

أبو أحمد .. سائق أتوبيس مصري الجنسية يعمل فى السويد .. اسكندراني المنشأ .. أب لستة أبناء .. انتقل الى السويد منذ أواخر الثمانينات .. كتبت عنه الصحف السويدية أكثر من مرة .. دائما يقول : " انا كل ما بعزم حد عندي ما بيجيش .. تعالى انت بقى " و سبب ذلك أنه متزوج من أم أحمد .. بولندية مسلمة و لكنها لا تتحدث العربية ولا الانجليزية و بالتالى زوجات العرب لا يستطيعون التواصل معها .. على الرغم من ان أبو أحمد علمها كيفية عمل " طشة الملوخية " على الطريقة المصرية :D

هكذا كان تعريف زوجي لأبو أحمد .. أنهى زوجي التعريف لنبدأ حالة من الضحك الهيستيري على ما حدث ..

" لأ المصري مصري مهما حصل برضه " .. قلتها بصوت عالى .. فعلى الرغم من القواعد الصارمة القانونية ها هنا الا ان " أبو أحمد " خالفها تقريبا جميعا فقط لـ " يدردش " معنا عد دقائق .. فهو أولا : توقف بدون داعي و " ضرب كلاكسات " بدون داعي لها .. و توقف مدة 5 دقائق أو أكثر للحديث معنا و هو بذلك قام بتعطيل كل الركاب الذين كان يقلهم هذه المدة بلا أى مبرر .. و عرض علينا توصيلنا بالاتوبيس لمنطقة ليست مدرجة فى خط سير الاتوبيس الذي يقوده ... كل هذا فقط لأننا مصريون مثلنا مثله !!!

مرت عدة أيام و ذهبنا الى بيت أبو أحمد تلبية لدعوته لنا على العشاء .. استقبلنا استقبالا حافلا هو و أهل بيته جميعهم .. كانت زيارة جميلة للغاية .. حكى لنا فيها أبو أحمد عن تاريخ عائلته بالكامل فردا فردا .. و أخذ يتحدث عن السويد و حياته بها .. كان كرم ضيافته فائقا .. و كان منزله جاذبا لانتباهي بشكل كبير .. فلقد وضع أبو أحمد كل ما ينتمى لمصر و الهوية الاسلامية بأى شكل من الأشكال فى منزله .. بدأ من ورق البردي المعلق على الحائط .. و مرورا بآية الكرسي المذهبة على القطيفة السوداء .. و الورود البلاستيكية فى الفازات الصيني الموضوعة فى الأركان .. و المسبحة ذات الخرزات الزرقاء الكبيرة .. و الأهرامات الرخامية .. و المكتبة المكدسة بمجلدات كتب الفقه و الحديث و السيرة التى تشكل اسم السلسة حينما تضعها جنبا الى جنب .. يتوسطها تماما تلفاز كبير للغاية كأنه شاشة سينما .. مفتوح دائماعلى قناة اقرأ و قنوات القرآن الكريم كما يقول أبو أحمد ..

على الرغم من أن المنزل بدا غير متناسق الى حد كبير مع كل هذا الكم من الأغراض الغير متسقه مع بعضها البعض لا من حيث الحجم ولا حتى من حيث الهوية .. الا انني شعرت ان أبو أحمد قد وضع هذه الاشياء حتى تبقى أمامه دائما كما لو كان يؤكد لنفسه فى كل مرة يدخل الى منزله أنه مصري الجنسية .. مسلم الديانة .. عربي اللسان .. حتى لا ينسى مع سنوات الغربة المتتابعة ولا يتحول الى مسخ لا يدرك أصوله و لم يدرك أصول غيره من الأوروبيين ..

و على الرغم من أن أبو أحمد تأثر كثيرا بحياته فى السويد و هو ما يبدو على لكنته المصرية المختلطة باللكنة الشامية و نهايات بعض الكلمات المتلاشية التى تقترب من السويدية .. و أبنائه الذين يتحدثون العربية بتكسير .. فأبو أحمد شخصية مصرية تنطق بأصالة عجيبة .. بدء من تسمية ابنته الكبري بـ " سيدة " مثل اسم والدته .. و مرورا باهتمامه بأحوال مصر و نهمه للمعرفة عن كل ما يجري فيها و زياراته المتقطعة بين احين و الآخر لها .. و انتهاء بـ " جدعنته " و خدمته لمن حوله فى المواقف المختلفة التى يحتاجون اليه فيها ..

انهينا لقائنا معه و أسرته و شكرناه على حسن الضيافة .. و تركناهم و نحن سعداء للغاية ..

اتجه الى زوجي قائلا : ايه رأيك فى القعدة بتاعت النهارده ؟؟

فأجبته قائلة : مصر وحشتني أوي !!

يتبع ...

Thursday, June 23, 2011

يوميات مغتربة حديثة 3



فأروني ماذا خلق الذين من دونه






حينما أتيت الى السويد و أخذت الطائرة فى الهبوط .. ظننت كما ظن زوجي في زيارته الأولى ان الطائرة ستهبط بنا وسط الغابة لكثافة الأشجار المحيطة بأرض المطار .. و حينما سألتنى أمى فى أول مكالمة بيننا بعد سفري " و ايه أخبار السويد ؟ " .. أجبتها بأنها عبارة عن غابة مترامية الأطراف نثروا بداخلها بضع البيوت الصغيرة ..

أخذنا فى التجوال في الممرات المتشعبة بين الأشجار الضاربة فى الطول و الكثافة .. الألوان فى غاية الروعة .. الأخضر هنا لون غني كل الغنى .. تشعر بأنه ينبض بالحياة .. لون يبث فيك البهجة و الراحة النفسية .. لا عجب حقا أن الله قد جعل لباس أهل الجنة من الأخضر .. و لا عجب كذلك أن من يعيشون هنا من المواطنين يتمتعون بهدوء سلوكي لم أره من قبل و نفتقد مثيله فى أوطاننا ..

المنظر فى غاية الروعة .. تناسق بين الأشجار و الحشائش و الزهور فى التوزيع ينطق بقدرة الله البديع .. فى كل زاوية تستوقفنا زهرة مختلفة .. لنتأمل هذا الاعجاز .. المنازل الخاصة موزعة بداخل الغابة .. كلما مشينا عدة أمتار نجد منزلا يفوق سابقه جمالا فى الموقع و المعمار .. فهذا على أطراف الغابة .. و هذا على مرتفع ضخرى بديع .. و ذاك على طرف النهر ..

" ياااااه .. الناس الى هنا دى ازاى تبقى عايشة وسط الجمال ده كله و ما تبقاش مؤمنة بالله ؟؟ " .. علامة استفهام كبيرة تتكرر أمامى كلما رأيت منزلا جديدا .. و أتعجب كل العجب .. كيف أن هؤلاء لم يتوقفو لحظة ليتأملوا ؟؟!! .. و صدقا التأمل يكفى للهداية هنا .. هل يمكن للانسان أن يصبح ذليلا لمتاهات الدنيا حتى تلهيه عن أن يوقف دوامتها لحظة ليعيد حساباته من جديد !! ...

ان ما يثير العجب حقا هو أن المواطنين هنا من حيث المعتقد قسمان :

1. القسم الأول هو قسم على المذهب اللوثري البروتوستانتي و هؤلاء رسميا يؤمنون بأن المسيح هو الله و يؤمنون بالثالوث و واقعة الصلب و الخطيئة الأولى .. و لكنهم على المستوى الغير رسمي يعتبرونه سخفا .. فكما يقولون أن فكرة " ثلاثة فى واحد و واحد فى ثلاثة " هي درب من الخرافة لا تنطلى الا على الاطفال !! .. و يعتقدون بأن هناك اله خلق كل ما يجدونه حولهم و لكن من هو هذا الاله ؟ لا تجد لديهم اجابة .. فهم يختلفون فيما بينهم في ماهية المسيح عليه السلام !!

2. أما القسم الثاني فهم أولئك المسمون بـ " شهود يهوه " و هذه الفئة تختلف كليا عن الفئة السابقة فالمنتمون لهذه الفئة لا يتبعون المعتقدات المسيحية الأصلية فيما يتعلق بكل ما ذكر سابقا . فهم يعتقدون بوحدانية الخالق و أن الخالق هو " الله " و أن المسيح هو رئيس الملائكة . ويرفضون الثالوث " الأقدس "، ويؤمنون أن المسيح كائن مخلوق وأن الروح القدس هو مجرد تعبير عن قوة الله . ويقولون إن المسيح لم يمت على صليب كما تعتقد طوائف العالم المسيحي بل على عمود أو خشبة ، لذلك فهم لا يضعون الصليب على الصدور وفي البيوت أو حتى على الكنائس ، كما أنهم لا يستعملون الصور والتماثيل في عبادتهم ، كما يدعون أن الكنيسة قامت علي مر العصور بتحريف الكتاب المقدس .

هذان القسمان بهذا الشكل الاعتقادي لكليهما يثيران بداخلى كل العجب .. فكيف لا يعملوا عقلوهم قليلا فيما حولهم ليصلوا الى حل لكل المعضلات التى يجدونها فى معتقدهم و يؤمنوا بالقدرة الالهية و الوحدانية و يستشعروا عظمة الخالق و يستخلصوا أسس الايمان الحقة اذا فقط ما اتبعوا فطرتهم !! .. أم أن الفطرة ها هنا منتكسة الى درجة لا تسمح لهم حتى بالتفكر قليلا و اعمال العقل فى مجموعة من الاستنتاجات الصحيحة التى حتما ستصل بهم الى الهداية كما وصلت بسيدنا ابراهيم عليه السلام !! بل لعل الأسباب ليست هذا و لا ذاك .. و أن كل ما في الأمر تلخصه الآية الكريمة : " يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم اياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على انفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على انفسهم انهم كانوا كافرين " ..

هي كذا اذا : " و غرتهم الحياة الدنيا " .. " و غرتهم الحياة الدنيا " .. " و غرتهم الحياة الدنيا " .. الناس هنا يعيشون مرغّدين للغاية .. فما الذي سيجعلهم يتكلفون ثمن تغيير مسار حياتهم و تحويل دينهم حتى و ان علمو أنهم على باطل ؟ .. انهم يعيشون حالة من الاكتفاء و الثراء .. فلا يوجد شيء لا يستطيعون الحصول عليه .. و بالتالى حينما يكون هناك شخص مأكله حسن .. و ملبسه حسن .. و مشربه حسن .. و مسكنه حسن .. و لديه من وسائل الترفيه و الرفاهية ما ليس عند غيره .. ان افتقد الدافع .. فليس هناك ما سيدعوه لمجرد التفكير في معتقده أو أى شيء فى حياته حوّله رغد العيش الى عامل محايد تماما !!

" الدعوة هنا سهلة جدا و صعبة جدا فى نفس الوقت .. سهلة علشان المجال ممهد وفقا لمعتقدات الناس سواء اللوثريين أو شهود يهوه .. ممكن الرد على كل التخبطات الى عندهم .. و صعبة علشان مستوى المعيشة المرتفع .. الفكرة كلها فى أسلوب الدعوة .. مين الى يدعو .. و ازاى يدعو .. " هذا كان رأي زوجي الذى نبهني الى أمر كنت أغفله ، و هو أن لدينا المشكلة ذاتها الآن فى مصر .. " من يدعو " .. و " كيف يدعو " .. و أننا تنطبق علينا الآية السابقة مع اختلاف السياق " غرتهم الحياة الدنيا " .. و أننا فى ظل انغماسنا فى دوامة الحياة الفانية تقف حولنا الشواهد و الحجج تسجل كل لحظة نبتعد فيها عن مهمتنا الأساسية فى هذه الحياة .. تقف شاهدة علينا حتى تكمم أفواهنا يوم القيامة حين تقام علينا الحجة .. و ستقام علينا الحجة .. و علينا أن نستعد بحجج تضاهي شهادة كل ما حولنا علينا .. و أعود الى الربوع الخضراء من حولى فأتذكر الآية الكريمة : " هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين " .. ليست القدرة فقط هذه المرة التى تتلألأ أمامي .. و لكنه العدل أيضا .. نعم العدل .. العدل فى الحكم .. و العدل فى مسبباته .. و العدل فى الإمهال .. و العدل فى المنح .. و العدل فى الأخذ .. و العدل فى المحاسبة .. و العدل فى كل هذا النظام الكوني الذى تلهينا دوامات الدنيا الخبيثة عما أمرنا خالقه و خالقنا باتباعه !!

استكملت و زوجي المسير فى الطريق .. مارة بنا بضع السيارات الخاصه و المواصلات العامة التى لم أسمع لأبواقها صوتا منذ أن جئت الى هنا .. حيث أخبرني زوجي بأن سائقوا السيارات لا يستخدمونه الا للضرورة القصوى و التى غالبا ما تكون تنبيها عن خطر ما يغفله أحد المارة أو السائقين ..

مر علينا و نحن فى طريقنا عائدين الى المنزل بعد تلك الجولة " أتوبيس " كبير للمواصلات العامة فى المدينة يسير بسرعة متوسطة .. و حينما أصبح بمحاذاتنا فوجئنا بالسائق يلوح لنا بيديه بشدة .. ثم تخطانا بعدة أمتار .. ليتوقف فجأة و " يضرب كلكسين " .. و يرجع باتجاهنا قليلا ثم يتوقف مرة أخرى .. لنهرول اليه لنعرف ماذا يريد منا ..

يتبع ..

Monday, June 6, 2011

يوميات مغتربة حديثة 2



42 متر .. أفندم ؟؟!!





- هو انت قلتلى شقتنا كام متر ؟؟

- 42 متر ..

- أفندم ؟؟!!

- معظم الشقق فى السويد كده =)

42 متر ازاى بس ؟ .. احتفظت بهذا السؤال فى نفسي على الرغم من انه ظل يراودني طوال الوقت حتى أثناء رحلتى الجوية .. 42 متر شقة أوضتين و حمام و مطبخ .. تيجي ازاى دي !! .. طب يعنى انا حيبقى عندي مساحة أتحرك فيها ؟؟ دى المساحة دي يا دوب صالون بيتنا !! تتقسم ازاى بس !! ده انا لو قلت ان الحمام 2*2 ، و المطبخ 3*3 ، و الطرقة 2*1 ، و الصالة 4*5 ، و أوضة النوم 2*3 .. يعنى مش بعيد خاااااااااااالص اني لو اتمطعت في يوم و أخدت راحتى فى التمطيع كده يقاضيني يوهان جارنا بتهمة خرم عينه بصباع اخترق حيطته على غفلة و هو نايم !! :S

أخرج زوجي مفتاح الشقة و مرره بالباب لأدلف الى الداخل و كلى شوق و تعب و ارهاق من رحلة دامت قرابة ال 15 ساعة ما بين طيران و ترانزيتات !!

أخذت أجول ببصري و أتفحص كل شبر فى المكان أمامي .. تبدو المساحة واسعة للغاية على الرغم من اصرار زوجي على ان مجموع المساحة لدينا 42 متر !! .. تمهلت قليلا و سألته كيف ذلك ؟؟!! فأشار باصبعه الى بعض الاجزاء .. ثم انصرف لانهاء بعض الاشياء المهمة خارج المنزل ..

بعد القليل من التأمل اكتشفت السر .. المنزل عبارة عن مجموعة من الدواليب الموزعة فى ارجائه بشكل غاية فى الذكاء فى استغلال المساحة .. عدد الدواليب ربما يفوق مثيلها فى بيوتنا العربية !! و مع ذلك فهى لا تشغل فراغا ولا تمثل ازعاجا بصريا لكونها جزءا لا يتجزأ من جسد المنزل الرئيسي .

الأفضل من ذلك أن كل الدواليب قابلة للفك و التركيب بما يتناسب مع احتياج كل أسرة ، كما أنها تترك لديك احساسا كبيرا بالراحة النفسية و الهدوء البصري .. و علاوة على كونها عملية فى ذاتها ، فهى أيضا تتيح كامل الراحة فى القيام بتنظيف المكان و ذلك نظرا لأنك لا تضطر الى شراء قطع اثاث اضافية لحفظ أشيائك .. و تساءلت حينها بداخلى .. و لم لا نفعل الشئ ذاته فى منازلنا ؟؟ .. نحن نمتلك مساحات شاسعه مقارنة بهذه المساحة و مع ذلك نسعى لتكديسها بأكبر قدر ممكن من الأثاث و الفرش حتى تكتظ .. ذلك الاثاث الذى فى كثير من الاحيان يبدو متزاحما و مزعجا و خارقا للذوق و يظهر مساحات منازلنا بغاية الضيق .. حتى اننى فى بعض الاحيان ظننت أن المواطن المصري لن يطيب له المقام فى منزله اذا وجد مساحة فارغة حتى يملأها بالأثاث لتعيقه عن الحركة فيهدأ بالا بعد ذلك !!

و تذكرت حينها كم المصروفات الشاسعه التى ينفقها حديثو الزواج على الاثاث " و التى يكون معظمها تحت ضغط الجمل الأكثر شهرة فى قواميسنا اليومية مثل : لازم العروسة يكون عندها فى البيت كذا ، ميصحش تتجوز قبل ما تجيب كذا ، الناس يقولو علينا ايه لو دخلو الشقة و ما لقيوش كذا ، الناس حتاكل وشنا " مع انى ما شوفتش حد وشه متاكل قبل كده !! " ، كل الى بيجهزوا لازم يجيبوا كذا .. الخ الخ الخ " ... على الرغم انه بقليل من التأمل و التفكير فى كيفية استغلال مساحات المنازل سنجد انه يمكننا استغلالها الى أقصى حد ممكن .. بتكاليف أقل كثيرا من التى عهدناها فى موروثاتنا و بشكل يضيف الينا راحة نفسية داخل بيوتنا .

نصيحة من متزوجة و مغتربة حديثة لكل المقبلين على الزواج : احذروا الثلاثية اللعينة :

1- كلمة ما يصحش " علشان كل حاجة تصح صدقوني "

2- المنزل المكتظ بالاثاث

3- ركن الكراكيب "المقدس" فى كل منزل !!


انهيت تفريع الحقائب .. لأجده عاد من جديد بابتسامته المشرقة .. " يلا البسي و تعالى ننزل نتمشى شوية الجو حلو اوى بره " ..

يتبع ..